جلال الدين السيوطي

224

الأشباه والنظائر في النحو

الخلاف حيث لا تقصد المبالغة ، فإن قصدت فالاتّفاق على أنّه لا تأويل ولا تقدير » . وهذا الذي قاله ابن عصفور هو الذي في ذهن أبي حيّان ، ولكنّه نسي فتوهّم أنّ ابن عصفور قال : إنّه لا تأويل مطلقا ، فمن هنا - واللّه أعلم - دخل عليه الوهم ، والذي يظهر لي أنّ الفارسيّ إنّما لم يجز في « فضلا » الصفة لأنه رآه منصوبا أبدا سواء كان ما قبله منصوبا كما في المثال أم مرفوعا كما في البيت ، أم مخفوضا كما في قولك : فلان لا يهتدي إلى ظواهر النحو فضلا عن دقائق البيان . فهذا منتهى القول في توجيه إعراب الفارسيّ ، وأمّا تنزيله على المعنى المراد فعسر ، وقد خرّج على أنّه من قوله : [ الطويل ] « 541 » - على لا حب لا يهتدى بمناره * [ إذا سافه العود الدّيافيّ جرجرا ] ولم يذكر أبو حيان سوى ذلك ، وقال : وقد يسلّطون النفي على المحكوم عليه بانتفاء صفته ، فيقولون : ما قام رجل عاقل ، أي : لا رجل عاقل فيقوم ، ثم أنشد بيت امرئ القيس المذكور ، فقال : ألا ترى أنه لا يريد إثبات منار للطريق وينفي الاهتداء به ؟ إنما يريد نفي المنار فتنتفي الهداية به ، أي : لا منار لهذا الطريق فيهتدى به ، وقال الأفوه الأوديّ : [ السريع ] « 542 » - بمهمه ما لأنيس به * حسّ فما فيه له من رسيس لا يريد أن بهذا القفر أنيسا لا حسّ له ، إنّما يريد : لا أنيس به فيكون له حسّ ، وعلى هذا خرج : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [ المدثر : 48 ] ، أي : لا شافع لهم فتنفعهم شفاعته ، و لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [ البقرة : 235 ] ، أي : لا سؤال فيكون إلحافا ، قال : وعلى هذا يخرج المثال المذكور ، أي : لا يملك درهما فيفضل عن دينار له ، وإذ انتفى ملكه الدرهم كان انتفاء ملكه للدينار أولى . قلت : وهذا الكلام الذي ذكره لا تحرير فيه ، فإنّ الأمثلة المذكورة من بابين مختلفين وقاعدتين متباينتين أميّز كّلا منهما عن الأخرى ، ثم أذكر أنّ التخريج المذكور لا يتأتّى على شيء منهما :

--> ( 541 ) - الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ( ص 66 ) ، ولسان العرب ( ديف ) و ( سوف ) و ( لحف ) ، وتهذيب اللغة ( 5 / 70 ) ، وأساس البلاغة ( سوف ) ، وتاج العروس ( سوف ) و ( لحف ) و ( ديف ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( نسا ) ، ومقاييس اللغة ( 2 / 318 ) ، ومجمل اللغة ( 2 / 304 ) . ( 542 ) - الشاهد في ديوانه ( ص 18 ) ، وسمط اللآلي ( ص 364 ) .